لا يمكن فهم المشروع الإسلامي والثقافي الذي تقوده أوزبكستان اليوم من دون فهم المرحلة التي سبقت الاستقلال.
فبعد قرون من الازدهار الإسلامي، دخلت المنطقة في القرن التاسع عشر مرحلة جديدة مع التوسع الروسي.
الاحتلال الروسي
بدأ التوسع الروسي في آسيا الوسطى بصورة متدرجة.
وسقطت طشقند في يد القوات الروسية سنة 1865، ثم توسع النفوذ الروسي على خانات المنطقة، وصولاً إلى ضم خوقند سنة 1876.
وبذلك دخلت مناطق واسعة من آسيا الوسطى في منظومة الإمبراطورية الروسية.
لم يؤد ذلك إلى اختفاء الإسلام، لكنه غيّر ميزان القوة.
المدارس والأوقاف
كانت المؤسسات الإسلامية تعتمد بدرجة كبيرة على الأوقاف والمدارس التقليدية.
ومع تدخل الإدارة الروسية تعرضت بعض هذه المؤسسات لقيود وتحولات في مواردها ونظام إدارتها.
ومع الوقت بدأ التعليم الإسلامي التقليدي يفقد جزءاً من قدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية.
لكن هذه المرحلة شهدت أيضاً ظاهرة مهمة: الإصلاح الإسلامي.
الجاديد: الإسلام الذي أراد أن يتعلم
ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تيار الجاديدية.
وكان الجاديد يريدون إصلاح التعليم الإسلامي وإدخال العلوم الحديثة إلى المدارس.
وكان من أبرز رموزهم محمود خواجة بهبودي.
اهتم الجاديد باللغة والصحافة والتعليم والمسرح والطباعة.
وكانوا يرون أن ضعف المسلمين ليس سببه الإسلام، وإنما التخلف والجهل وضعف المؤسسات التعليمية.
ومن هنا كانت دعوتهم إلى العلم.
وهذا الجانب مهم جداً بالنسبة إلى مشروع النهضة الأوزبكي المعاصر، لأن الخطاب الرسمي اليوم يعيد اكتشاف الجاديد بوصفهم جزءاً من سلسلة النهضة الفكرية.
وتشير مواد مركز الحضارة الإسلامية إلى أن حركة الجاديد أصبحت رمزاً للكفاح من أجل التعليم والعلم والصحافة والوعي العام، وأن كثيراً من رموزها دفعوا حياتهم ثمناً لأفكارهم.
الثورة البلشفية
بعد الثورة الروسية عام 1917 دخلت المنطقة مرحلة أكثر صعوبة.
فالدولة السوفيتية الجديدة قامت على أيديولوجية علمانية معادية للدين.
أغلقت أعداد كبيرة من المساجد والمدارس الدينية.
وصودرت أوقاف.
وتعرض العلماء للمراقبة والاعتقال والاضطهاد.
وفي عهد ستالين كانت الضغوط شديدة بصورة خاصة.
وكان الهدف ليس فقط السيطرة على المؤسسة الدينية، وإنما إعادة تشكيل المجتمع نفسه على أساس أيديولوجي جديد.
هل اختفى الإسلام؟
لا.
وهذه ربما أهم حقيقة في تاريخ تلك المرحلة.
اختفت مؤسسات كثيرة، لكن الإسلام استمر داخل المجتمع.
حافظت العائلات على الأعياد.
واستمر الزواج والختان والجنائز والطقوس الاجتماعية.
واستمر حفظ القرآن في دوائر محدودة.
واستمرت بعض التقاليد الصوفية بصورة غير رسمية.
أي أن الإسلام انتقل جزئياً من المؤسسة العامة إلى الذاكرة الاجتماعية.
وهذا يفسر لماذا استطاعت البلاد بعد الاستقلال أن تستعيد هويتها الإسلامية بسرعة نسبية.
الحرب العالمية الثانية وتغير السياسة السوفيتية
مع الحرب العالمية الثانية تغيرت بعض سياسات النظام السوفيتي.
أصبحت هناك حاجة إلى تنظيم العلاقات مع المسلمين، فظهرت مؤسسات دينية رسمية محدودة.
وأصبحت طشقند لاحقاً مركزاً دينياً مهماً لمسلمي آسيا الوسطى.
لكن النشاط بقي محكوماً بقيود الدولة.
الاستقلال سنة 1991
مع انهيار الاتحاد السوفيتي حصلت أوزبكستان على استقلالها.
وكان أمامها سؤال كبير:
كيف تبني هوية وطنية جديدة بعد سبعين عاماً من النظام السوفيتي؟
كان أحد الحلول هو استعادة التاريخ.
وعادت أسماء البخاري والترمذي والماتريدي وابن سينا والخوارزمي وأولوغ بيك إلى الواجهة.
وأعيد ترميم المواقع الدينية والتاريخية.
لكن الدولة لم ترد أن تكون العودة مجرد عودة إلى الماضي.
من الدين إلى التراث الحضاري
في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ وصول شوكت ميرضيائيف إلى الرئاسة، أصبح هناك توجه واضح لإعادة دراسة التراث الإسلامي بصورة مؤسسية.
أنشئت مراكز بحثية متخصصة.
وتطورت المؤسسات المرتبطة بالبخاري والماتريدي والترمذي.
وتعزز دور الأكاديمية الدولية للدراسات الإسلامية.
ثم جاء المشروع الأكبر: مركز الحضارة الإسلامية في طشقند.
2017: نقطة التحول
في 19 سبتمبر 2017 تحدث الرئيس ميرضيائيف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الإسلام باعتباره ديناً يدعو إلى الخير والسلام والعلم والتنوير، وربط ذلك بمشروع إنشاء مركز للحضارة الإسلامية في طشقند.
وهذه اللحظة مهمة جداً.
لأن المشروع خرج من الإطار المحلي إلى الإطار الدولي.
لم تعد الفكرة مجرد بناء متحف في طشقند.
بل أصبحت رسالة سياسية وثقافية إلى العالم:
الإسلام له تاريخ علمي وحضاري وإنساني، وأوزبكستان تريد أن تكون أحد مراكز دراسة هذا التاريخ وتقديمه للعالم.
ماذا تعني «النهضة الإسلامية» في أوزبكستان اليوم؟
لا ينبغي فهمها بالضرورة باعتبارها مشروعاً لإقامة دولة دينية أو حركة سياسية.
الخطاب الرسمي الحالي يستخدم مفاهيم مختلفة:
- العلم.
- التنوير.
- التسامح.
- الحوار.
- التراث.
- التعليم.
- البحث العلمي.
- ومواجهة الجهل والتطرف.
وهذا يختلف عن كثير من التجارب السياسية الإسلامية في العالم.
إنه أقرب إلى مشروع نهضة ثقافية وعلمية ذات مرجعية إسلامية.
لماذا هذا مهم عالمياً؟
لأن العالم الإسلامي يواجه مشكلتين متوازيتين:
من جهة، التطرف الذي يختزل الإسلام في صراع سياسي.
ومن جهة أخرى، الإسلاموفوبيا التي تختزل الإسلام في صورة العنف.
وتحاول أوزبكستان تقديم رواية ثالثة:
الإسلام بوصفه حضارة أنتجت الحديث والفقه والرياضيات والطب والفلك والفلسفة والأدب.
وهنا تصبح أسماء البخاري والخوارزمي وابن سينا والبيروني أدوات للحوار الحضاري.
من النهضة إلى المؤسسة
أهم ما يميز المرحلة الحالية أنها انتقلت من الاحتفاء بالأسماء إلى بناء المؤسسات.
- هناك مراكز بحثية.
- مؤسسات تعليمية.
- مراكز للمخطوطات.
- مشروعات ترميم.
- مؤتمرات دولية.
- ثم مركز الحضارة الإسلامية نفسه.
وبحلول 17 مارس 2026 أصبح المشروع واقعاً فعلياً بافتتاح المركز رسمياً.
وفي يونيو 2026 أعلنت الرئاسة أن المركز استقبل منذ افتتاحه نحو نصف مليون زائر حتى الأول من يونيو، بمعدل يقارب ستة آلاف زائر يومياً.
وهذه الأرقام تكشف أن المشروع تجاوز فكرة المبنى الرمزي.
لكن ماذا يمكن أن تكون المرحلة التالية؟
يمكن أن تتطور النهضة الحالية في ثلاثة اتجاهات:
الأول: إنتاج معرفة جديدة.
ليس فقط إعادة طباعة كتب البخاري أو الخوارزمي، بل تحقيق المخطوطات ودراسة المناهج العلمية القديمة ومقارنتها بالعلوم الحديثة.
الثاني: تدويل التراث.
إقامة شراكات مع الجامعات والمتاحف والمؤسسات الإسلامية العالمية.
الثالث: بناء جيل جديد.
وهذا هو التحدي الأصعب.
فالحضارة لا تعود بمجرد عرض مخطوطات.
تعود عندما ينتج المجتمع علماء وباحثين ومترجمين ومفكرين قادرين على إضافة شيء جديد.
وهنا يأتي دور مركز الحضارة الإسلامية.
فهو ليس خاتمة القصة.
بل قد يكون المؤسسة التي تريد أوزبكستان من خلالها الانتقال من استعادة الذاكرة إلى صناعة المعرفة.
وهذه هي النقطة التي ستتناولها الحلقة الخامسة: قصة المركز نفسه، من الفكرة التي طرحت عام 2017، إلى وضع حجر الأساس، إلى سنوات البناء، ثم الافتتاح في مارس 2026، ثم المنتدى الدولي للحضارة الإسلامية في يوليو، والمنتدى الإعلامي الدولي في أغسطس، وأخيراً السؤال الأكبر: هل يمكن أن يكون مركز الحضارة الإسلامية نواة نهضة إسلامية جديدة في آسيا الوسطى؟
