إذا كانت الحلقات السابقة قد حاولت الإجابة عن سؤال: «ماذا قدمت أوزبكستان للحضارة الإسلامية؟». فإن هذه الحلقة تتناول السؤال الأكثر ارتباطاً بالحاضر:
ماذا تريد أوزبكستان أن تفعل بهذا التراث في القرن الحادي والعشرين؟
الإجابة الأكثر وضوحاً هي: مركز الحضارة الإسلامية في طشقند.
من الفكرة إلى المشروع
ترجع نقطة الانطلاق الحديثة إلى عام 2017.
ففي 19 سبتمبر من ذلك العام تحدث الرئيس شوكت ميرضيائيف أمام الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وربط بين الإسلام والعلم والتنوير والسلام. وأعلن عن مشروع إنشاء مركز للحضارة الإسلامية في طشقند.
وهذه النقطة تستحق التأمل.
فالمشروع لم يبدأ كمتحف فقط.
بل بدأ كفكرة حضارية وسياسية وثقافية دولية.
وفي عام 2018 وُضع حجر الأساس. ثم بدأت رحلة طويلة من التصميم والتنفيذ وجمع المواد والمخطوطات وإعداد المحتوى.
وبعد نحو ثماني سنوات. افتتح المركز رسمياً في 17 مارس 2026.
أي أن الفترة من الفكرة إلى الافتتاح امتدت تقريباً من 2017 إلى 2026.
موقع استراتيجي
اختير موقع المركز بجوار مجمع حضرة الإمام في طشقند. وهذا الاختيار بالغ الرمزية.
فالمركز الجديد لا يوجد في منطقة ثقافية معزولة. وإنما في قلب أحد أهم المشاهد الإسلامية في العاصمة.
وتذكر المصادر الرسمية أن المركز بني على مساحة تبلغ نحو عشرة هكتارات. وأن مبناه يتكون من ثلاثة طوابق. ويبلغ طول المبنى 161 متراً وعرضه 118 متراً. بينما تصل قبة المركز إلى نحو 65 متراً. وتتجاوز مساحة الاستخدام 42 ألف متر مربع.
وبذلك فإن المبنى نفسه جزء من الرسالة.
إنه يريد أن يقول إن التراث الإسلامي ليس أثراً صغيراً من الماضي. بل موضوع يستحق مؤسسة ضخمة في قلب العاصمة.
كيف رُتبت الرواية داخل المركز؟
من أهم خصائص المشروع أنه لا يبدأ بالإسلام مباشرة.
بل يبدأ من الحضارات السابقة للإسلام.
وهذا اختيار علمي مهم.
فالقصة تبدأ بالحضارات القديمة في المنطقة. ثم تنتقل إلى دخول الإسلام. ثم النهضة الأولى. ثم النهضة الثانية. ثم العصر الحديث و«أوزبكستان الجديدة».
أي أن المركز يحاول تقديم تاريخ متصل يمتد لثلاثة آلاف عام. لا مجرد تاريخ ديني منفصل.
قاعة القرآن
في قلب المركز توجد قاعة القرآن.
ومن أبرز مقتنياتها مصحف عثمان. إضافة إلى مجموعة من المخطوطات القرآنية المرتبطة بأوزبكستان.
وتذكر مواد المركز أن القاعة تضم 114 مخطوطاً قرآنياً. إلى جانب المصحف المنسوب إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان. وتستخدم تقنيات عرض حديثة لتقديم هذه الكنوز للزائر.
وهنا يظهر أحد أهم عناصر فلسفة المركز:
التراث القديم + التكنولوجيا الحديثة.
فالمخطوطة عمرها قرون. لكن طريقة تقديمها رقمية وتفاعلية.
النهضة الأولى داخل المركز
خصص المركز مساحة كبيرة لما تسميه الرواية الأوزبكية «النهضة الأولى».
وتظهر فيها أسماء:
- البخاري.
- الترمذي.
- الماتريدي.
- الخوارزمي.
- الفرغاني.
- البيروني.
- ابن سينا.
وغيرهم.
لكن المركز لا يقدمهم في قسم واحد.
بل يربطهم بمجالاتهم.
- في الحديث يظهر البخاري والترمذي.
- في العقيدة يظهر الماتريدي.
- في العلوم الطبيعية ابن سينا والبيروني.
- وفي الرياضيات والفلك الخوارزمي والفرغاني.
وتذكر المواد الرسمية للمركز أن أقسام النهضة الأولى تشمل الحديث والفقه والتفسير والسيرة. والعقيدة والتصوف. والعلوم الطبيعية والدقيقة. وإرث بيت الحكمة والعلوم الإنسانية.
النهضة الثانية
بعد ذلك تأتي النهضة الثانية المرتبطة بالتيموريين.
وهنا تظهر سمرقند كمدينة للعلم والفن والعمارة.
ويبرز أولوغ بيك والمرصد والمدارس والفنون.
كما يظهر الأدب التركي والفارسي.
وتظهر أعمال الخط والزخرفة والخزف والمنمنمات.
وهذا مهم لأن الحضارة ليست كتباً فقط.
الحضارة أيضاً مدينة وعمارة وفن ولغة ومؤسسات.
أوزبكستان الجديدة
ثم تنتقل الرواية إلى العصر الحديث.
وهنا يدخل الجاديد. ثم الاستقلال. ثم الإصلاحات الحديثة.
وتقدم أوزبكستان هذه المرحلة باعتبارها بداية «نهضة ثالثة».
وهذا المصطلح بالغ الأهمية لفهم المشروع.
فالمقصود ليس إعادة إنتاج عصر البخاري أو عصر أولوغ بيك. وإنما بناء عصر جديد يستلهم قيم العلم والتعليم والابتكار.
المركز كمؤسسة بحثية
وهنا نصل إلى الفرق بين المركز والمتحف.
المتحف التقليدي يعرض الماضي.
أما المركز فيريد أن يدرس الماضي وينتج معرفة عنه.
لذلك يضم المشروع وظائف مرتبطة بالمكتبة والمخطوطات والبحث العلمي والترميم والنشر والمؤتمرات والتعليم.
وفي اجتماعاته العلمية الأولى نوقشت قضايا مثل تنظيم المكتبة. وتدريب المرشدين. وتكوين مجموعات المتحف والمكتبة. وترميز المواد باستخدام QR. وتطوير المحتوى العلمي.
وهذا يعني أن المركز يحاول بناء بنية معرفية مستمرة.
من المتحف إلى الدبلوماسية الحضارية
في يوليو 2026 حدث تحول مهم.
استضاف المركز المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية. وأقيم المنتدى في 7 و8 يوليو. تحت عنوان:
«طريق السلام والتسامح والتنوير».
وشارك فيه ممثلون عن أكثر من أربعين دولة. وفق الخطاب الرئاسي الرسمي.
وهنا يتحول المركز من مؤسسة وطنية إلى منصة دولية.
والمنتدى لم يكن مجرد مؤتمر أكاديمي.
كان رسالة بأن أوزبكستان تريد أن تدخل في ما يمكن تسميته الدبلوماسية الحضارية.
أي استخدام التاريخ والثقافة والعلم لبناء العلاقات الدولية.
المنتدى الإعلامي في أغسطس 2026
ثم جاء المنتدى الإعلامي الدولي في أغسطس تحت عنوان:
«الحضارة الإسلامية: رؤية جديدة – اكتشافات جديدة».
وكانت الفكرة شديدة الدلالة.
فإذا كانت المرحلة السابقة هي مرحلة البحث عن التراث. فإن المرحلة الجديدة هي مرحلة إعادة رواية التراث.
وهذا أمر مهم لأن الإعلام الحديث يستطيع أن يحول المخطوطة أو العالم القديم إلى قصة تصل إلى ملايين الناس.
ما الذي تريد أوزبكستان أن تقوله للعالم؟
يمكن تلخيص الرسالة في أربع أفكار:
أولاً: الإسلام جزء من تاريخ العلم العالمي.
ثانياً: آسيا الوسطى لم تكن هامشاً في الحضارة الإسلامية. بل كانت أحد مراكزها الكبرى.
ثالثاً: الإسلام الذي قدمه كبار علماء المنطقة كان مرتبطاً بالعلم والعقل والتسامح.
رابعاً: أوزبكستان تريد أن تجعل هذا التراث أساساً لعلاقاتها الثقافية في المستقبل.
وهذه الرسالة مدعومة أيضاً من المؤسسات الإسلامية الدولية.
ففي مواد المركز المتعلقة بالتعاون مع IRCICA. يتم التأكيد على أن تاريخ الحضارة الإسلامية لا يمكن تصوره دون إرث البخاري والترمذي والماتريدي والخوارزمي والبيروني وابن سينا وغيرهم.
ما الذي يمكن أن ينتظر المركز مستقبلاً؟
يمكن توقع خمسة أدوار كبرى.
- مركز عالمي للمخطوطاتإذا استطاع المركز جمع وفهرسة وتحقيق مخطوطات آسيا الوسطى. فقد يصبح مرجعاً دولياً.
- مركز لدراسة الإسلام في آسيا الوسطىوهذا مجال ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات المقارنة.
- جسر بين العالم الإسلامي والجامعات العالميةمن خلال المؤتمرات والزمالات والترجمة والمشروعات المشتركة.
- منصة لمواجهة الصورة النمطية عن الإسلامليس عن طريق الدعاية. وإنما عن طريق الوثيقة والكتاب والمخطوطة والتاريخ.
- نواة للنهضة الثالثة
وهذه أهم نقطة.
إذا أنتج المركز أبحاثاً جديدة. وخرج منه باحثون. وأصبح له حضور عالمي. فسوف ينتقل من «حفظ التراث» إلى «إنتاج المستقبل».
التحديات
لكن هناك تحديات يجب ألا نتجاهلها.
أهمها ألا يتحول المشروع إلى تمجيد قومي للماضي.
فالعلماء الذين خرجوا من بخارى وخوارزم وترمذ وفرغانة كانوا جزءاً من حضارة واسعة.
- البخاري تراث أوزبكي من حيث المكان. لكنه أيضاً تراث إسلامي عالمي.
- الخوارزمي من خوارزم. لكنه عمل في بغداد.
- ابن سينا من بيئة بخارى. لكنه تحرك في فضاء واسع.
- البيروني لم يكن محصوراً في جغرافيا واحدة.
وهذه العالمية هي مصدر قوة المشروع. وليست نقطة ضعف فيه.
التوقع النهائي
إذا استمرت أوزبكستان في الاستثمار في البحث والتعليم والترجمة والمؤسسات. فقد تتحول طشقند خلال السنوات المقبلة إلى أحد أهم مراكز دراسة الحضارة الإسلامية في العالم.
وإذا نجح مركز الحضارة الإسلامية في ربط:
المخطوطات + البحث العلمي + التعليم + التكنولوجيا + المؤتمرات الدولية + الإعلام
فإنه قد يصبح نموذجاً جديداً لمؤسسات الحضارة في العالم الإسلامي.
وهنا نعود إلى بداية القصة.
- بدأت الحكاية بحضارات قديمة في باكتريا وسوغديانا وخوارزم.
- ثم جاء الإسلام.
- ثم ظهرت بخارى وترمذ وسمرقند.
- ثم البخاري والترمذي والماتريدي والخوارزمي والفرغاني والبيروني وابن سينا والمرغيناني.
- ثم جاءت عصور الغزو والتحولات الروسية والسوفيتية.
- ثم الاستقلال.
- ثم فكرة المركز عام 2017.
- ثم حجر الأساس.
- ثم افتتاح المركز في 17 مارس 2026.
- ثم المنتدى الدولي للحضارة الإسلامية في يوليو.
- ثم المنتدى الإعلامي في أغسطس.
وهكذا يمكن قراءة المشروع كله باعتباره دورة تاريخية كاملة:
الحضارة → الازدهار → الانقطاع → الذاكرة → الاستعادة → محاولة بناء مستقبل جديد.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل أعادت أوزبكستان ماضيها؟»
بل:
هل تستطيع أن تحول هذا الماضي إلى قوة معرفية حقيقية للمستقبل؟
الإجابة لن تظهر في عام أو عامين.
ستظهر عندما نرى الكتب التي سيحققها المركز. والباحثين الذين سيخرجون منه. والمؤسسات الدولية التي سيتعاون معها. واللغات التي سيترجم إليها تراث المنطقة. والأفكار الجديدة التي ستولد في طشقند وسمرقند وبخارى.
وعندها فقط يمكن أن نحكم على ما إذا كانت «النهضة الثالثة» مجرد شعار. أم أنها بالفعل فصل جديد في التاريخ الطويل لهذه الأرض.
فإذا كانت النهضة الأولى قد أعطت العالم البخاري والخوارزمي والبيروني وابن سينا. وكانت النهضة الثانية قد أعطته سمرقند أولوغ بيك ونوائي وبابر. فإن التحدي أمام أوزبكستان اليوم هو أن تنتج علماء ومفكرين ومؤسسات جديدة لا تقل أثراً عن أولئك الذين تتحدث عنهم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية مركز الحضارة الإسلامية.
فأكبر نجاح له لن يكون أن يجعل العالم يعرف أن البخاري ولد في بخارى.
بل أن يجعل بخارى نفسها. وطشقند. وسمرقند. وخوارزم. وترمذ. وأوزبكستان كلها. أماكن يستمر فيها إنتاج المعرفة التي يحتاجها العالم الإسلامي والإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمشروع كله.
