من أكثر الجوانب إثارة في تاريخ أوزبكستان أن أسماء علماء ارتبطوا بمدنها تظهر في مجالات تكاد تشمل كل فروع المعرفة الإنسانية.
ولكن قبل استعراضهم، يجب التأكيد مرة أخرى على مسألة تاريخية: لن نستخدم كلمة «أوزبكي» بمعناها القومي الحديث بالنسبة إلى علماء العصور الوسطى. الأدق أن نقول: علماء وُلدوا في مدن تقع اليوم ضمن أوزبكستان، أو ينتمون إلى أقاليمها التاريخية، أو ارتبطوا بمؤسساتها ومدنها.
وهذه التفرقة لا تقلل من قيمة التراث، بل تجعله أكثر علمية.
أولاً: علماء الحديث
الإمام البخاري
محمد بن إسماعيل البخاري هو أشهر علماء بخارى.
ولد سنة 810م وتوفي سنة 870م.
أشهر أعماله «الجامع الصحيح».
وكان منهجه في نقد الأحاديث والإسناد من أهم أسباب مكانته.
وتأثيره لا يكاد يحتاج إلى إثبات؛ فقد أصبح كتابه أحد أهم كتب الحديث عند أهل السنة.
الإمام الترمذي
محمد بن عيسى الترمذي من ترمذ.
ومن أشهر أعماله «الجامع» و«الشمائل المحمدية».
تميز بأسلوب يجمع بين الرواية والنظر في درجة الحديث وأقوال الفقهاء.
علماء آخرون في الحديث
لم يتوقف إنتاج المنطقة عند البخاري والترمذي.
فقد كانت مدن ما وراء النهر بيئة لعلماء الرواية والفقه، وكانت الرحلة إلى بخارى وسمرقند وترمذ جزءاً من الشبكة العلمية الإسلامية.
ولهذا يمكن القول إن مساهمة المنطقة في علم الحديث كانت مدرسة كاملة وليست شخصين فقط.
ثانياً: العقيدة والكلام
أبو منصور الماتريدي
يأتي أبو منصور الماتريدي من سمرقند.
وهو أحد أهم علماء العقيدة السنية.
ومن أبرز ما يميز فكره إعطاء مساحة مهمة للعقل والاستدلال مع الحفاظ على مركزية النص.
وأصبح المذهب الماتريدي لاحقاً من أبرز المدارس العقدية في العالم السني.
ولا تزال آثاره حاضرة في مناهج المؤسسات الدينية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
ثالثاً: الفقه
برهان الدين المرغيناني
يعد برهان الدين المرغيناني من أعظم فقهاء المذهب الحنفي.
وأشهر كتبه «الهداية».
وقد أصبح هذا الكتاب من المراجع الأساسية في الفقه الحنفي، وانتشر تأثيره في آسيا الوسطى والهند وغيرها.
أبو الليث السمرقندي
ومن علماء الفقه والتفسير أبو الليث السمرقندي.
ويمثل هذا النوع من العلماء البيئة التي امتزج فيها الفقه بالتفسير والوعظ والتربية.
أبو حفص النسفي
ومن أعلام المنطقة نجم الدين عمر النسفي، المعروف بالنسفي.
وكان له حضور في الفقه والعقيدة والتفسير.
وهذه الشخصيات تؤكد أن ما وراء النهر كان أحد المراكز الكبرى للفقه الحنفي.
رابعاً: التفسير والعلوم الشرعية
ظهر في المنطقة عدد كبير من المفسرين والفقهاء.
ومن بينهم علماء ارتبطوا بالمدارس الحنفية وبالتراث السني في التفسير.
ومن المهم أن نفهم أن المدرسة العلمية في ذلك العصر لم تكن تقوم على التخصص الضيق كما في الجامعات الحديثة.
كان العالم قد يكون فقيهاً ومفسراً ومتكلمًا وأديباً.
خامساً: التصوف
كانت المنطقة أيضاً بيئة مهمة للتصوف.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بها الحكيم الترمذي، وهو من الشخصيات المؤثرة في تاريخ الفكر الصوفي.
ثم جاء بهاء الدين نقشبند، المرتبط ببخارى، والذي أصبح اسمه أساساً للطريقة النقشبندية.
والنقشبندية لم تبق مدرسة محلية؛ فقد انتشرت في آسيا الوسطى والهند والأناضول ومناطق أخرى.
وهذا يوضح أن تأثير أوزبكستان لم يكن في العلوم الأكاديمية فقط، بل امتد إلى الحياة الروحية للمسلمين.
سادساً: الرياضيات والخوارزميات
محمد بن موسى الخوارزمي
يمثل الخوارزمي إحدى أهم نقاط الاتصال بين الحضارة الإسلامية والعلم الحديث.
ارتبط اسمه بعلم الجبر والحساب والخوارزميات.
وتعرضه اليوم أوزبكستان باعتباره واحداً من رموز إسهام المنطقة في العلوم العالمية.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن الخوارزمي ارتبط أيضاً ببيت الحكمة في بغداد، وهذا مثال ممتاز على أن الحضارة الإسلامية كانت شبكة مشتركة.
فالخوارزمي من خوارزم، لكنه عمل في بغداد.
وبذلك يصبح «تراثه أوزبكياً» من حيث الجذور الجغرافية، و«إسلامياً» من حيث البيئة الحضارية، و«عالمياً» من حيث التأثير.
سابعاً: الفلك
أحمد الفرغاني
أحمد الفرغاني أحد كبار علماء الفلك.
ارتبط اسمه بفرغانة، وانتقلت أعماله إلى أوروبا عبر الترجمات.
أولوغ بيك
ثم جاء أولوغ بيك في العصر التيموري.
وأصبح مرصده في سمرقند أحد أشهر المراصد في تاريخ العالم الإسلامي.
وهنا يمكن رؤية خط علمي طويل:
الفرغاني → البيروني → أولوغ بيك
وهو خط يوضح استمرارية الاهتمام بالفلك في المنطقة.
ثامناً: الطب
ابن سينا
ابن سينا أشهر الأسماء هنا.
لكن من المهم ألا نختزله في كتاب «القانون».
كان ابن سينا فيلسوفاً وطبيباً وعالماً في الطبيعيات والمنطق.
وكان تأثيره في العالم الإسلامي كبيراً، ثم انتقلت أعماله إلى أوروبا اللاتينية.
ويعرض المركز اليوم ابن سينا بوصفه أحد أعلام العلوم الطبيعية والطبية في النهضة الأولى.
تاسعاً: البيروني
أبو الريحان البيروني ربما يكون النموذج الأكثر اكتمالاً للعالم الموسوعي.
- الفلك.
- الرياضيات.
- الجغرافيا.
- التاريخ.
- دراسة الأديان.
- دراسة الهند.
والمهم في البيروني ليس فقط ما اكتشفه، وإنما منهجه.
كان يسأل ويقارن ويقيس ويصف.
وهذا المنهج يجعله شخصية شديدة الأهمية في النقاش الحديث حول جذور التفكير العلمي.
عاشراً: الجغرافيا
كان علماء المنطقة منخرطين في رسم العالم ووصف البلدان.
وقد ارتبطت الجغرافيا بالرحلات والتجارة والحج.
وكانت المعرفة الجغرافية مهمة للمسلمين في تحديد الطرق والقبلة والمواقيت.
وهذا المجال شهد تداخلاً بين الرياضيات والفلك والرحلات.
الحادي عشر: اللغة والأدب
علي شير نوائي
في العصر التيموري برز علي شير نوائي.
وكان من أبرز المدافعين عن قدرة اللغة التركية على أن تكون لغة أدب وفكر رفيع.
وأسهم في تطوير الأدب الجغتائي.
بابر
أما بابر فجمع بين الحكم والأدب والتاريخ.
و«بابرنامه» يقدم وصفاً للمدن والطبيعة والسياسة والحروب والعادات.
وهو من أهم مصادر تاريخ آسيا الوسطى والهند.
الثاني عشر: الفلسفة والمنطق
ارتبطت البيئة العلمية في آسيا الوسطى بالفلسفة والمنطق.
وهنا يجب ذكر الفارابي مع شيء من الحذر، لأنه ولد في فاراب، التي تقع في منطقة تاريخية تقع اليوم في كازاخستان، لا أوزبكستان.
ولهذا لا يصح تقديمه بوصفه «عالماً أوزبكياً» بالمعنى الجغرافي المباشر.
لكن وجوده في السرد الحضاري للمركز مفهوم لأنه يمثل فضاء ما وراء النهر وتركستان الأوسع.
وهذه الدقة مهمة جداً في أي دراسة محترمة.
لماذا كان التأثير بهذه القوة؟
لأن الكتب لم تكن محلية.
كان كتاب يصدر في بخارى يمكن أن ينتقل إلى بغداد، ومن بغداد إلى دمشق والقاهرة، ثم إلى الأندلس.
وبالمقابل كانت الكتب اليونانية والهندية والفارسية تدخل المنطقة.
وهكذا كان العالم الإسلامي في العصر الوسيط شبكة معرفية عالمية.
التأثير على أوروبا
انتقلت أعمال الخوارزمي والفرغاني وابن سينا والبيروني وغيرهم عبر الترجمات.
وأصبحت بعض الكتب الطبية والفلكية والرياضية جزءاً من المعرفة الأوروبية.
ومن هنا فإن مساهمة المنطقة لم تكن فقط في «الحضارة الإسلامية»، وإنما في تاريخ العلم العالمي.
كيف تُقدَّم هذه الشخصيات اليوم؟
المركز الجديد في طشقند يحاول أن يقدم العلماء ضمن بيئاتهم العلمية، لا باعتبارهم تماثيل منفصلة.
وتتضمن عروضه الحالية أقساماً للحديث والفقه والتفسير والسيرة، وللعقيدة والتصوف، وللعلوم الطبيعية والدقيقة، ولبيت الحكمة والعلوم الإنسانية.
وتذكر مواد المركز أيضاً تقديم نماذج بصرية للبخاري والترمذي والماتريدي والمرغيناني والقفال الشاشي والخوارزمي والبيروني وابن سينا وغيرهم.
الخلاصة
لو أردنا اختصار مساهمة المنطقة في كلمة واحدة فلن تكون «الدين» ولا «العلم» وحده.
بل ستكون:
المعرفة.
فمنها جاء الحديث، والفقه، والعقيدة، والتصوف، والرياضيات، والفلك، والطب، والجغرافيا، والفلسفة، والأدب.
لكن هذه الحضارة واجهت لاحقاً مرحلة قاسية جداً.
فمع التوسع الروسي ثم الحكم السوفيتي تغيرت البيئة التي أنتجت هذه العلوم، وأصبحت المؤسسات الإسلامية نفسها تحت ضغط شديد.
وهنا تبدأ الحلقة الرابعة: كيف عاش الإسلام في أوزبكستان خلال الاحتلال الروسي والعهد السوفيتي؟ وكيف انتقل من مرحلة التضييق إلى مرحلة الاستعادة بعد الاستقلال؟
