إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت البيئة السابقة للإسلام ثم دخول المنطقة في العالم الإسلامي، فإن القرون التالية شهدت ظاهرة أكثر أهمية: تحول ما وراء النهر من منطقة حدودية في العالم الإسلامي إلى أحد أهم مراكز إنتاج المعرفة فيه.
وهنا تبدأ قصة النهضة الأولى.
النهضة الأولى: القرنان التاسع إلى الثاني عشر
يستخدم الخطاب الحضاري الأوزبكي المعاصر مصطلح النهضة الأولى لوصف العصر الذي شهد ازدهاراً علمياً وفكرياً استثنائياً في المنطقة.
ولا ينبغي أن نفهم كلمة «نهضة» هنا بمعناها الأوروبي الحديث، وإنما باعتبارها مرحلة كثيفة الإنتاج العلمي والثقافي.
وقد ارتبطت هذه المرحلة بالعصر الساماني وبازدهار مدن بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة وغيرها.
الإمام البخاري: إعادة بناء علم الحديث
ولد محمد بن إسماعيل البخاري في بخارى سنة 810م.
وأهميته ليست في أنه جمع آلاف الروايات فحسب، وإنما في الطريقة التي تعامل بها مع الحديث.
فقد أصبحت دراسة الإسناد، ومعرفة الرجال، والتمييز بين الروايات، والنظر في شروط قبول الحديث، جزءاً من منظومة علمية دقيقة.
ويظل «الجامع الصحيح» من أشهر كتب الحديث في التراث الإسلامي السني.
وإذا كان القرآن يمثل النص المؤسس للإسلام، فإن علم الحديث يمثل جانباً أساسياً من فهم السنة النبوية؛ ولذلك فإن تأثير البخاري تجاوز بخارى وآسيا الوسطى إلى العالم الإسلامي كله.
الإمام الترمذي: الحديث والفقه والنقد
أما محمد بن عيسى الترمذي، المولود في ترمذ، فقد كان من كبار أئمة الحديث.
تميز عمله بالجمع بين الرواية والنظر في أحكام العلماء على الأحاديث، وهو ما جعله أحد الأسماء الأساسية في تطور علم الحديث.
وكتاب «الجامع» المنسوب إليه أصبح من الكتب المشهورة في السنة النبوية.
وبذلك قدمت منطقة ترمذ للعالم الإسلامي أحد أعمدة علم الحديث.
أبو منصور الماتريدي: العقل داخل العقيدة
إذا كان البخاري يمثل الحديث، فإن أبو منصور الماتريدي يمثل جانباً آخر بالغ الأهمية: علم العقيدة والكلام.
نشأ الماتريدي في سمرقند، وأصبح اسمه مرتبطاً بالمدرسة الماتريدية.
وقد اهتمت هذه المدرسة بالدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام الأدلة العقلية والنقلية، وأصبحت لاحقاً من المدارس الأساسية في الفكر السني، خصوصاً في البيئات الحنفية.
وهنا تظهر إحدى أهم مساهمات المنطقة: لم يكن علماؤها مجرد رواة للتراث، بل كانوا منتجين للنظريات والمناهج الفكرية.
الخوارزمي: الرياضيات التي عبرت العالم
ثم نصل إلى محمد بن موسى الخوارزمي.
والخوارزمي من أعظم الأمثلة على تداخل العلوم الإسلامية.
فقد ارتبط اسمه بالجبر، كما ارتبطت أعماله بتطور الحساب والخوارزميات.
وليس من قبيل المبالغة القول إن أثر الخوارزمي تجاوز عصره بكثير.
فمصطلح Algorithm في اللغات الأوروبية يرتبط اسمه به، وأصبحت أفكاره جزءاً من تاريخ الرياضيات الذي قاد في النهاية إلى تطورات علمية وتقنية هائلة.
والعرض الحالي لمركز الحضارة الإسلامية يضع الخوارزمي ضمن قسم «بيت الحكمة» والعلوم الدقيقة، إلى جانب الفرغاني والفارابي.
أحمد الفرغاني: الفلك
من وادي فرغانة جاء أحمد الفرغاني، أحد كبار علماء الفلك في القرن التاسع.
وقد أسهمت أعماله في نقل المعرفة الفلكية الإسلامية إلى مناطق أخرى، ثم وصلت أجزاء من هذا التراث إلى أوروبا.
وهنا نرى أن الحضارة التي نشأت في آسيا الوسطى لم تكن حضارة محلية.
كانت المعرفة تتحرك منها وإليها.
البيروني: نموذج العالم الموسوعي
أما أبو الريحان البيروني فهو من أكثر شخصيات هذه المرحلة إثارة للإعجاب.
اشتغل بالفلك والرياضيات والجغرافيا والتاريخ ودراسة الأديان والثقافات.
وكان اهتمامه بالهند نموذجاً مبكراً للدراسة المقارنة للحضارات.
ومن أهم ما يميز البيروني أنه لم يكتف بإصدار الأحكام على الشعوب الأخرى، وإنما حاول تعلم لغاتها وفهم علومها وفلسفاتها وعاداتها.
وهذا يجعله نموذجاً مهماً جداً في المشروع الحضاري الذي تحاول أوزبكستان تقديمه اليوم: العالم المسلم الذي يتفاعل مع الآخر من موقع المعرفة، لا من موقع الخوف أو العزلة.
ابن سينا: الطب والفلسفة
ثم يأتي أبو علي ابن سينا.
ولد في بيئة بخارى، وأصبح واحداً من أعظم أطباء وفلاسفة العالم الإسلامي.
كان «القانون في الطب» من أكثر الكتب الطبية تأثيراً في التاريخ، وظل مستخدماً في المؤسسات التعليمية الطبية لقرون.
لكن ابن سينا لم يكن طبيباً فقط.
كتب في المنطق والفلسفة والطبيعيات وما وراء الطبيعة.
وهكذا أصبح نموذجاً للعالم الموسوعي.
ويعرض مركز الحضارة الإسلامية اليوم أعمال ابن سينا والبيروني ضمن قسم العلوم الطبيعية والدقيقة، بما في ذلك مواد مرتبطة بالطب والفلك.
المرغيناني والفقه
ومن أهم علماء المنطقة في الفقه برهان الدين المرغيناني.
كتابه «الهداية» أصبح من أشهر المراجع في الفقه الحنفي.
وهذا يوضح أن مساهمة المنطقة لم تكن مقتصرة على العلوم الطبيعية.
فقد شاركت في بناء أحد أهم المذاهب الفقهية التي حكمت الحياة القانونية والاجتماعية في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.
بعد الغزو المغولي
جاء الغزو المغولي في القرن الثالث عشر وألحق دماراً كبيراً بالمدن والمؤسسات.
لكن الحضارة لم تنته.
وبمرور الوقت أعادت المنطقة بناء نفسها، ثم ظهرت مرحلة جديدة في العصر التيموري.
وهنا تبدأ النهضة الثانية.
سمرقند التيمورية
جعل تيمور سمرقند مركزاً لإمبراطورية واسعة.
واستقطبت المدينة العلماء والحرفيين والفنانين والمعماريين.
لكن الشخصية الأكثر ارتباطاً بالعلم في هذا العصر كانت حفيده أولوغ بيك.
كان أولوغ بيك أميراً وعالماً في الفلك.
وأقام مرصده الشهير في سمرقند، وأنتج جداول فلكية أصبحت من أهم إنجازات علم الفلك في العالم الإسلامي آنذاك.
وهكذا لم تكن النهضة الثانية مجرد ازدهار سياسي أو معماري، بل كانت نهضة علمية أيضاً.
العمارة والفن والأدب
شهدت سمرقند وبخارى تطوراً كبيراً في المدارس والمساجد والمجمعات.
وتطورت صناعة الخزف والزخرفة والخط والمنمنمات.
وفي المجال الأدبي ظهر علي شير نوائي، الذي أسهم في رفع مكانة اللغة الجغتائية الأدبية.
كما ظهر بابر من فرغانة، الذي أصبح لاحقاً مؤسس الدولة المغولية في الهند، وترك «بابرنامه»، الذي يعد من أهم النصوص التاريخية والأدبية في المنطقة.
إذن، ماذا كانت النهضة؟
كانت النهضة الأولى والثانية منظومة متعددة المجالات:
الدين: حديث وفقه وعقيدة وتفسير.
العقل: فلسفة ومنطق.
العلوم: رياضيات وفلك وطب وجغرافيا.
اللغة: عربية وفارسية وتركية.
الفنون: عمارة وخط وزخرفة.
المؤسسات: مدارس ومكتبات ومراصد.
وهذا التنوع هو الذي جعل ما وراء النهر واحداً من أهم المراكز الحضارية في العالم الإسلامي.
من «أرض العلماء» إلى «تراث عالمي»
اليوم تريد أوزبكستان أن تعيد تقديم هذه المرحلة بطريقة حديثة.
فالمركز لا يعرض العلماء كأسماء على الجدران، بل يحاول ربط أعمالهم بالمشكلات العلمية والفكرية التي عالجها كل منهم.
وتشير مواد المركز إلى تخصيص أقسام للحديث والفقه والتفسير والسيرة، ولعلم الكلام والتصوف، وللعلوم الطبيعية والدقيقة، ولإرث بيت الحكمة والعلوم الإنسانية.
وهذا يقودنا إلى السؤال المركزي في الحلقة الثالثة:
من هم هؤلاء العلماء بالتحديد؟ وما الذي قدمه كل واحد منهم؟ وكيف انتقل تأثيرهم من آسيا الوسطى إلى بقية العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا؟
وهنا سنترك التسلسل الزمني قليلاً، ونرسم خريطة واسعة للعلماء والمدارس والمجالات.
