عندما نتحدث اليوم عن أوزبكستان باعتبارها إحدى أهم مناطق الحضارة الإسلامية، فإننا نتحدث عن تاريخ يتجاوز عمر الدولة الأوزبكية الحديثة بكثير. فالدولة التي نعرفها اليوم باسم جمهورية أوزبكستان لم تتشكل بصورتها الحالية إلا في العصر الحديث، أما المدن والأقاليم التي تقع داخل حدودها، مثل بخارى وسمرقند وترمذ وخوارزم وفرغانة وطشقند، فقد كانت منذ آلاف السنين جزءاً من فضاء حضاري واسع عرف في المصادر الإسلامية باسم ما وراء النهر، وارتبط في مراحل مختلفة بخراسان وبلاد الصغد وخوارزم وتركستان.
ومن هنا فإن قصة الإسلام في أوزبكستان ليست قصة دين وصل إلى أرض خالية ثم أنشأ حضارتها، وإنما هي قصة التقاء الإسلام بحضارات قديمة، ثم دخول تلك الحضارات في مشروع حضاري جديد أصبح لاحقاً أحد أهم مراكز العالم الإسلامي.
أولاً: الأرض قبل الإسلام
كانت منطقة آسيا الوسطى، ولا سيما الأراضي التي تقع فيها أوزبكستان اليوم، من أكثر مناطق العالم القديم اتصالاً بالحضارات المجاورة.
ظهرت في المنطقة حضارات باكتريا وسوغديانا وخوارزم وتشاتش وفرغانة، وكانت مدنها ومراكزها التجارية مرتبطة بشبكات واسعة تمتد شرقاً إلى الصين والهند وغرباً إلى إيران والعالم المتوسطي.
وكان طريق الحرير عاملاً أساسياً في هذا التطور. فلم يكن طريقاً تجارياً بالمعنى الضيق، وإنما شبكة هائلة لانتقال البضائع والأفكار واللغات والديانات والتقنيات.
ولهذا كانت المنطقة متعددة الثقافات والأديان قبل الإسلام. وجدت فيها الزرادشتية والبوذية والمانوية والمسيحية واليهودية ومعتقدات محلية مختلفة.
وكانت سمرقند، التي ارتبطت بالحضارة الصغدية، واحدة من أهم مراكز التجارة والحياة الحضرية. أما خوارزم فكانت بيئة علمية وثقافية مهمة ظهرت فيها لاحقاً أسماء ستصبح من أعظم أسماء الحضارة الإسلامية.
وهذه الخلفية تفسر لماذا استطاعت المنطقة، بعد دخولها العالم الإسلامي، أن تتحول بسرعة نسبية إلى بيئة علمية خصبة.
ثانياً: بداية وصول الإسلام
بدأ الاحتكاك العسكري والسياسي بين المسلمين وما وراء النهر في القرن الأول الهجري، وبلغ مرحلة حاسمة في عهد الدولة الأموية مع حملات قتيبة بن مسلم في أوائل القرن الثامن الميلادي.
دخلت مدن كبرى مثل بخارى وسمرقند في المجال السياسي الإسلامي بصورة تدريجية، ولكن من الخطأ تصوير العملية باعتبارها حادثة واحدة أدت فوراً إلى تحول جميع سكان المنطقة إلى الإسلام.
فالتحول الديني كان طويلاً ومعقداً.
دخل الإسلام إلى المنطقة عبر عدة قنوات: الدولة والجيش، ثم التجارة، والهجرة، والعلماء، والزواج، والمؤسسات الدينية، والتفاعل اليومي بين السكان المحليين والمسلمين.
كما أن السكان المحليين لم يتحولوا جميعاً إلى الإسلام في الوقت نفسه، وظلت ديانات أخرى موجودة لفترات طويلة.
وهذا أمر مهم لفهم التاريخ بصورة علمية؛ فـ«فتح المنطقة» و«أسلمة المجتمع» مرحلتان مختلفتان.
ثالثاً: من الفتح إلى الاندماج الحضاري
كانت نقطة التحول الحقيقية هي أن المنطقة لم تبق هامشاً تابعاً للخلافة، وإنما دخلت تدريجياً في الشبكة الكبرى للحضارة الإسلامية.
وأصبحت العربية لغة القرآن والحديث والعلوم الدينية، بينما حافظت الفارسية على حضورها الثقافي والأدبي، ثم ازداد حضور اللغات التركية.
وكانت هذه التعددية اللغوية من أسباب قوة المنطقة.
فالعالم يستطيع أن يقرأ القرآن والحديث والفقه بالعربية، ويقرأ الأدب بالفارسية أو التركية، ويتفاعل مع تراث محلي غني.
وبحلول العصر العباسي ثم الساماني بدأت مدن ما وراء النهر تتحول إلى مراكز إنتاج معرفي.
رابعاً: السامانيون وبداية العصر الذهبي
كان العصر الساماني، خصوصاً في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، من أهم المراحل في تاريخ المنطقة.
أصبحت بخارى عاصمة سياسية وثقافية، وازدهرت سمرقند وغيرها من المدن.
وفي هذه البيئة ظهر جيل من العلماء الذين سيغيرون تاريخ الإسلام والعلوم.
هنا ينبغي أن نتوقف عند نقطة منهجية مهمة: هؤلاء العلماء لم يكونوا «أوزبكيين» بالمعنى القومي الحديث، لأن الدولة الأوزبكية لم تكن موجودة. لكن عدداً كبيراً منهم ولد أو عاش أو عمل في مدن تقع اليوم داخل أوزبكستان.
ولهذا يمكن اعتبارهم جزءاً أساسياً من التراث الحضاري للأرض التي تشكل أوزبكستان الحالية، وفي الوقت نفسه جزءاً من التراث الإسلامي والإنساني العالمي.
خامساً: لماذا أصبحت المنطقة بيئة للعلم؟
هناك عدة عوامل اجتمعت في وقت واحد.
أولها الموقع الجغرافي.
وثانيها الازدهار الاقتصادي للمدن الواقعة على طرق التجارة.
وثالثها قيام مؤسسات تعليمية ودينية.
ورابعها حركة الرحلة في طلب العلم.
فالعالم المسلم لم يكن محصوراً في مدينته. كان يسافر من بخارى إلى بغداد، ومن سمرقند إلى مكة، ومن خراسان إلى دمشق ومصر، ويعود بالكتب والروايات والأفكار.
وهكذا أصبحت المنطقة جزءاً من شبكة معرفية إسلامية عابرة للحدود.
سادساً: بداية صناعة العلماء
من بخارى خرج الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الذي سيصبح أحد أشهر أئمة الحديث في التاريخ الإسلامي.
ومن ترمذ خرج الإمام محمد بن عيسى الترمذي.
ومن سمرقند ظهر أبو منصور الماتريدي، أحد أبرز علماء العقيدة الإسلامية.
ومن خوارزم ظهر محمد بن موسى الخوارزمي، الذي أسهم في تأسيس علم الجبر والحساب.
وظهر أحمد الفرغاني في علم الفلك.
ثم جاء أبو الريحان البيروني وأبو علي ابن سينا، وغيرهما.
لكن الأهم أن هؤلاء لم يظهروا فجأة.
لقد كانوا نتيجة منظومة حضارية كاملة.
وهذه هي الفكرة التي يريد مركز الحضارة الإسلامية في طشقند إبرازها اليوم: أن النهضة العلمية الإسلامية لم تكن حدثاً منفصلاً، وإنما كانت نتيجة تفاعل طويل بين الحضارات السابقة، والإسلام، والمؤسسات العلمية، وحركة العلماء.
ويؤكد العرض الرسمي للمركز أنه يقدم تاريخ المنطقة في تسلسل يبدأ بالحضارات السابقة للإسلام ثم ينتقل إلى «النهضة الأولى» و«النهضة الثانية» وصولاً إلى أوزبكستان الجديدة.
سابعاً: معركة نهر طلاس
ومن الأحداث المهمة في القرن الثامن معركة نهر طلاس سنة 751م بين القوات العباسية والصينية.
لا يصح اعتبارها «معركة دخول الإسلام إلى أوزبكستان»، لأن الإسلام كان موجوداً في المنطقة قبلها، كما أن عملية التحول الديني استمرت بعدها قروناً.
لكنها مهمة في تاريخ آسيا الوسطى لأنها جاءت في سياق تثبيت النفوذ الإسلامي في المنطقة وتراجع المنافسة السياسية الصينية المباشرة.
ثامناً: الإسلام لا يلغي الماضي
من أهم خصائص التجربة الإسلامية في آسيا الوسطى أن التراث السابق لم يختف تماماً.
بل دخل كثير من عناصر المعرفة القديمة في عملية إعادة بناء معرفي داخل الحضارة الإسلامية.
وهذا ما نراه لاحقاً في الرياضيات والفلك والطب والجغرافيا.
فالخوارزمي لم يعمل في فراغ، والبيروني لم يكن معزولاً عن تراث الشعوب التي درسها، وابن سينا استفاد من تقاليد فلسفية وطبية متعددة.
وبذلك أصبحت المنطقة مختبراً للتفاعل بين الحضارات.
خاتمة
بين القرن السابع والثامن الميلاديين بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.
لم تتحول أرض ما وراء النهر إلى مركز إسلامي كبير بمجرد الفتح، وإنما عبر قرون من التفاعل بين الإسلام والمجتمع المحلي والتجارة والتعليم والسياسة.
وفي القرنين التاسع والعاشر بدأت النتيجة تظهر بوضوح: بخارى وسمرقند وخوارزم وترمذ وفرغانة أصبحت أسماء مرتبطة بالعلم الإسلامي والعالمي.
ومن هنا تبدأ الحلقة الثانية.
فإذا كانت الحلقة الأولى قد شرحت كيف دخل الإسلام إلى المنطقة، فإن السؤال التالي هو: كيف أنتجت هذه الأرض خلال القرون التالية واحدة من أعظم موجات العلم والفكر في التاريخ الإسلامي؟
وهنا نصل إلى البخاري والترمذي والماتريدي والخوارزمي والفرغاني والبيروني وابن سينا والمرغيناني وغيرهم، وإلى ما تسميه الرؤية الأوزبكية المعاصرة النهضة الأولى.
